بسم الله الرحمن الرحيم

نرحب بالجميع في http://www.manhal.net

( التابعون ) الأحنف بن قيس

كتبهاعبدالله هادي ، في 17 سبتمبر 2007 الساعة: 19:30 م

هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي السعدي ، أبو بحر البصري ، والأحنف لقب ، واسمه الضحاك وقيل : صخر ابن أخي صعصعة ، ولقب بالأحنف لحنف كان برجله ، وعده أصحاب السير من الطبقة الثانية من كبار التابعين ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة ، وقال : كان ثقة مأمونا قليل الحديث … وهو : من أهل البصرة وقدم إلى المدينة في عهد عمر ، ورحل إلى مرو وهراة ونيسابور فاتحًا ومات بالكوفة في ولاية مصعب بن الزبير .

أسلم الأحنف بن قيس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، إلا أن النبي دعا له ، يقول الأحنف بن قيس : بينما أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ جاء رجل من بني ليث فأخذ بيدي فقال : ألا أبشرك ؟ فقلت : بلى قال : هل تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومك بني سعد ؟ فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه ، فقلت أنت : إنه ليدعوكم إلى خير ، وما حسن إلا حسنًا ، فبلغت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم اغفر للأحنف" … فقال الأحنف : هذا من أرجى عملي عندي .

قدم الأحنف المدينة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب ، مما أتاح له مقابلة عدد كبير من كبار الصحابة رضي الله عنهم ليتعلم منهم ويأخذ عنهم ، مما كان له من كبير الأثر في حياته ، فتعلم من سيدنا عمر بن الخطاب ، وتعلم من علي بن أبي طالب ، وجلس مع أبي ذر الغفاري ، وأخذ عن عثمان بن عفان ، وتعلم من ابن مسعود ، وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم … وكان للصحابة أثرًا قويًا في نفوس التابعين، وممن تأثر بالصحابة رضي الله عنهم ، وتربى على أيديهم الأحنف بن قيس خاصةً من سيدنا عمر بن الخطاب ومن مواقفه التي تدل على أن سيدنا عمر كانت له توجيهات قوية ، وتأثيرًا كبيرًا في نفس الأحنف ما يرويه عن موقفه معه فيقول : قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاحتبسني عنده حولاً ، فقال : يا أحنف ، إني قد بلوتك وخبرتك فرأيت علانيتك حسنة ، وأنا أرجو أن تكون سريرتك على مثل علانيتك ، وإنا كنا نتحدث إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم .

وعن الأحنف بن قيس قال : خرجنا مع أبي موسى وفودًا إلى عمر ، وكانت لعمر ثلاث خبزات يأدمهن يومًا بلبن ويومًا بسمن ويومًا بلحم عريض ويومًا بزيت ، فجعل القوم يأكلون ويعذرون فقال عمر : إني لأرى تعذركم وإني لأعلمكم بالعيش ، ولو شئت لجعلت كراكر وأسنمة وصلاء وصنابًا وصلائق ، ولكن أستبقي حسناتي إن ذكر قومًا فقال : "أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ".

 ويقول له سيدنا عمر بن الخطاب للأحنف مربيًا : يا أحنف من كثر ضحكه قلت هيبته ، ومن مزح استخف به ، ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه … وممن رباه أيضًا على الحلم قيس بن عاصم المنقري ، وقد سئل الأحنف بن قيس يومًا : ممن تعلمت الحلم ؟ قال : من قيس بن عاصم المنقري لقد اختلفنا إليه فى الحلم كما يختلف إلى الفقهاء ، فبينا نحن عنده يوما وهو قاعد بفنائه محتب بكسائه ، أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف فقالوا : هذا ابنك قتله ابن أخيك قال : فوالله ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه ، ثم التفت إلى ابن له فى المسجد فقال : أطلق عن ابن عمك ، ووار أخاك ، واحمل إلى أمه مائة من الإبل فإنها غريبة.

أثره في الآخرين : كان للأحنف بن قيس أثرًا في نفوس الآخرين فكان يجلس مع مصعب بن الزبير على سريره فجاء يومًا ومصعب ماد رجليه فلم يقبضهما، وقعد الأحنف فزحم بعض الزحم فرأى ذلك فيه فقال: عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين.

وكتب الأحنف بن قيس إلى صديق له ينصحه : أما بعد فإذا قدم عليك أخ لك موافق فليكن منك مكان سمعك وبصرك ، فإن الأخ الموافق أفضل من الولد المخالف ألا تسمع إلى قول الله عز وجل لنوح في شأن ابنه :"إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ" يقول : ليس من أهل ملتك ، فانظر إلى هذا وأشباهه فاجعلهم كنوزك وذخائرك وأصحابك في سفرك وحضرك ، فإنك إن تقربهم تقربوا منك وإن تباعدهم يستغنوا بالله عز وجل والسلام.

مواقفه مع سيدنا عمر : أوفد أبو موسى الأشعري وفدًا من أهل البصرة إلى عمر بن الخطاب فيهم الأحنف بن قيس ، ولم يكن عمر رأى الأحنف قبل ذلك ، فلما دخلوا عليه تكلم كل رجلاً فيهم في خاصة نفسه وكان الأحنف آخر القوم ، فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : يا أمير المؤمنين إن أهل الشام نزلوا منازل أهل قيصر ، وإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه ، وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى ومصانعه في الأنهار العذبة والجنان الحسنة ، وفي مثل عين البعير وأتتهم ثمارهم قبل أن يحصدوا ، وإن أهل البصرة نزلوا في سنحة نشاشة لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها ، طرفها في بحر أجاج وطرفها بالفلاة لا يأتينا شيء إلا في مثل مدى النعامة ، فارفع خسيستنا ولا تفشي وقيصتنا وزد في رجالنا رجالاً وفي عيالنا عيالاً ، وأصغر درهمنا وأكبر فقيرنا ، ومر بنهر يكرى لنا نستعذب منه فقال عمر للقوم : أعجزتم أن تكونوا مثل هذا ، هذا والله السيد قال الأحنف : فما زالت بعد أسمعها من الناس هذا والله السيد .

وعن الفضل بن عميرة قال : أن الأحنف بن قيس قدم على عمر بن الخطاب في وفد من العراق ، وكان ذلك في يوم صائف شديد الحر وهو متحجز بعباءة يهنأ يهنأ ، ـ يقال : هنأت البعير أهنؤه إذا طليته بالهناء وهو القطران ـ ببعير من إبل الصدقة فقال : يا أحنف ضع ثيابك ، وهلم وأعن أمير المؤمنين على هذا البعير فإنه من إبل الصدقة فيه حق اليتيم والأرملة والمسكين فقال رجل : يغفر الله لك يا أمير المؤمنين فهلا تأمر عبدًا من عبيد الصدقة فيكفيك هذا؟ فقال عمر : يا ابن فلانة وأي عبد هو أعبد مني ومن الأحنف بن قيس هذا ؟ إنه من ولي أمر المسلمين فهو عبد للمسلمين، يجب عليه لهم ما يجب على العبد لسيده من النصيحة وأداء الأمانة .

من أهم ملامح شخصيته : لقد كانت عامة صلاة الأحنف بالليل ، وكان يضع المصباح قريبًا منه فيضع إصبعه على المصباح ثم يقول: حس ، ثم يقول : يا أحنف ما حملك على أن صنعت كذا يوم كذا .

وقد قيل للأحنف بن قيس : إنك شيخ كبير ، وإن الصيام يضعفك، فقال : إني أعده لسفر طويل ، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه … وكان الأحنف بن قيس يقول : عرضت عملي على عمل أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بونًا بعيدًا لا نبلغ أعمالهم ، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وعرضت عملي على عمل أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم مكذبون بكتاب الله وبرسل الله مكذبون بالبعث بعد الموت ، فقد وجدت من خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا.

وصعد الأحنف بن قيس فوق بيته يومًا فأشرف على جاره فقال : سوءة سوءة ، دخلت على جاري بغير إذن لا صعدت فوق هذا البيت أبدًا .

شجاعته : عرف عن الأحنف بن قيس أنه كان من الشجعان ، فيرُوى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعثه على جيش قِبَل خراسان فبيتهم العدو ليلاً ففرقوا جيوشهم أربعة جيوش ، وأقبلوا معهم الطبول ففزع الناس وكان أول من ركب الأحنف فأخذ سيفه فتقلده ثم مضى نحو الصوت وهو يقول :

 إن على كل رئيس حقًا *** أن يخضب القناة أو تندقا

ثم حمل على صاحب الطبل فقتله ، فلما فقد أصحابه الصوت انهزموا ثم حمل على الكردوس الآخر ففعل مثل ذلك ، ثم حمل على الآخر ففعل ، ثم حمل على الآخر ففعل مثل ذلك ، وهو وحده ثم جاء الناس وقد انهزم العدو فاتبعهم الناس يقتلون ثم مضوا حتى فتحوا مدينة يقال لها : مرو الروذ .

حلمه : اشتهر الأحنف بحلمه ، ولقد عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة ، وقيل إن رجلاً خاصم الأحنف وقال : لئن قلت واحدة لتسمعن عشرًا فقال : لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة.

تواضعه : ومما عرف عنه تواضعه ومن ذلك أنه استعمل على خراسان ، فلما أتى فارس أصابته جنابة في ليلة باردة قال : فلم يوقظ أحدًا من غلمانه ولا جنده ، وانطلق يطلب الماء قال : فأتى على شوك وشجر حتى سالت قدماه دمًا فوجد الثلج قال : فكسره واغتسل ، قال : فقام فوجد على ثيابه نعلين محذوتين جديدتين قال : فلبسهما فلما أصبح أخبر أصحابه فقالوا : والله ما علمنا بك .

رجاحة عقله : يقول هشام بن عقبة : شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم فتكلم فيه وقال : احتكموا قالوا : نحتكم ديتين قال : ذاك لكم فلما سكتوا قال : أنا أعطيكم ما سألتم ، فاسمعوا إن الله قضى بدية واحدة ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية واحدة ، وإن العرب تعاطي بينها دية واحدة ، وأنتم اليوم تطالبون ، وأخشى أن تكونوا غدًا مطلوبين فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم قالوا : ردها إلى دية .

وفاته : كان موته بالبصرة زمن ولاية مصعب بن الزبير سنة سبع وستين ومشى مصعب في جنازته وقال مصعب يوم موته : ذهب اليوم الحزم والرأي .

=== المدونة الثقافية === المدونة الثقافية === المدونة الثقافية ===

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة - الصحابة والتابعين | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر